نوافذ قصة قصيرة من تأليف آية ممدوح - مجلة قلمي الثقافية

نوافذ قصة قصيرة من تأليف آية ممدوح

قصة قصيرة للقاصة المبدعة / آية ممدوح 

آية ممدوح بعنوان " نوافذ " .
-----
أرملة وهل من حقها ما تفعله ؟ لا هذه لا تعرف الحياء !..
وهل من حقها أن تذهب كل حين لمناسبة ترتدي فيها الألوان الزاهية دون خجل؟!
 فى النهاية .. هى تسكن بحارة فقيرة وهكذا تحدث الجيران , أين السواد الذى يجب ألا يزينها غيره لأعوام قادمة؟! ..

 لكنها كانت تعتز بكونها ودودة و محبة للجميع و كانت مجاملة للكل تتسامح بصعوبة مع كلامهم اللاذع وتتمنى لو كان هناك أمل فى صداقة حقيقية مع أى شخص وسط كل هذه الضوضاء الفارغة والكلام الثرثار . 
نعم أربع أولاد من البنين و إبنتين يشغلون وقتاً و مساحة من الذهن , لكن الوجدان ربما فى حاجة إلى تفهم مختلف , تفهم يقوم على الإختيار و ليس الإحتياج و بالطبع ليس النفاق و المصلحة .

خمس طلاب مدارس و سادسهم طالب جامعى , كل يوم روتين ما بين إعداد وجبات و أعمال منزلية و مساعدة فى إستذكار الدروس , صارت أماً و هى فى التاسعة عشر من العمر تعلمت الخدمة قبل الراحة و القلق قبل المعرفة و حب الأبناء .. قبل حب الزوج !!
"أم على".
هكذا نادتها أم علاء أمام المسجد قبيل صلاة الفجر.
"صباح الخير"
هكذا ردت دون شعور
"صباح الخير , أنا عارفة مبسألش"
"و لا يهمك"
"طيب , مش عندكو فى العمارة مكان فضى"
"أيوة مانتى عندك فاضى"
"لا ما خلاص بنتى هتاخدها لحد ما جوزها يجهز على مهله"
"مبروك , من إمتا الكرم ده"
قالتها بسخرية
"لا بس عشان نبقى عملنا إلى علينا , المهم إلى كان فيها عايز غيرها"
"مين؟"
"إلى فى التالت"
"مبسكنش عزاب"
"ده طالب"
"و أنا مالى"
"و الله كويس و مقلكيش على أخلاقه"
"لا مليش فى الموضوع"
"طيب فكرى"
سكتت قليلاً و قالت
"يعنى مفهوش مشاكل"
"أبداً , هو ساعات بس بيتعذر فى كام يوم على ما يجيب الإيجار"
"ااااه"
"بس و الله بيجيبه"
"طب و هو إللى طلب تدوريله ؟"
"أبداً والله أنا بس عشان بجاملك زى مانتى حلوة مع الكل كده , أنا مش زى غيرى"
"طبعاً"
قالتها بإبتسامة مزيفة

سمير طالب كلية الفنون فى النافدة السادسة طويل القامة , فاتح البشرة , متوسط الجسم, دائماً ما كان ينظر إليها كثيراً فى وضح الشمس بنظرات مبهمة لا تفهم منها شيئاً . دائماً بالنهار و نادراً ما يظل نائماً بعد الشروق يستيقظ مع الطيور المغردة , يشاهدها و هى تضع الملابس لتجف و ما أكثر الملابس فى مسكنها و ما أقسى عملها المنزلى ؟ و ما أقسى الحياة كلها عليها ؟ منذ أن توفى زوجها.

المغرب أوشك أن يؤذن , و لأول مرة وجوه جديدة تضرب باب سمير . فوجىء به فقال :
"إيه ده؟"
"هدى صوتك"
"ليه ؟"
"أدخل بس"
"الله"
فتح علبة و أخرج بودرة بيضاء اللون .رد سمير
" نهارك أسود , يوم ما تظهر بعد سنة تيجى بمصيبة"
"لا أبيض"
"هتستهبل "
"طب ده حتى الإبداع و الفن بيبقوا عايزين.."
قاطعه :
"إختفى , عايزك تنزل و تختفى"
"طب متزعلش"
"إنزل"
"طب بص دول ليا هقعد عندك شوية و أنزل بعدها"
"لا"
"عشان خطرى"
"طيب أنا هنام مبسهرش , تتنيل و تنزل و متسيبش أى حاجة هنا , مفهوم؟"
"مفهوم"
"تصبح على خير .. أو شر "
قالها و هو يبتعد عنه و يغلق باب غرفته على نفسه"
تمتم صديقه​ :
"إيه الصحاب دى؟"

سارعت "أم علاء " تاركة النافذة و تدخل إلى زوجها قائلة :
"لا أنا هقول لأم على أن دخله واحد غريب مش مريحنى , قلبى ميكدبش"
"ولية هبلة"
"قلت إيه؟"
"ما يمكن عادى"
"برده هقول ... معرفش أنت مهتم بيه ليه"
"وحدانى بس , بساير معاه أما أزهق من وشكو"
"إبقا سكنه على حجرك ... مش هتوسطله عندها تانى"
"و النبى هى لو فالحة كانت سكنته هى على حجرها"
"نعم؟"
"بقولك كلام سليم على فكرة , ما ياما ستات أستغفر الله خلقهم بوم و بعد ماخلصوا على أجوازهم و ورثوهم إتجوزوا واحد كمان يشيل الليلة "
"قصدك مين الستات دول؟"
"مقصديش"
"يشيل الليلة , ده هو ليلة و عايز يتشال , هو حيلته حاجة؟"
"يا أم تخلف , منا من قاعدتى معاه عرفت إن عند أبوه حتتين أرض فى بلدهم و مش كده و بس و جراج فى حتة كده فى الجيزة"
"أمال بيحدفنى كام يوم على ما يجيب الإيجار ليه؟"
"متخانق مع أبوه , أكمنه ضرب مراته الجديدة"
يأخذ نفس من السيجارة و يكمل :
"حب يربيه شوية .. إبنه حقه , لكن دى شوية سحابة سودا و تروح لحالها ده وحيد يعنى ملوش إخوات"
"يلا ناس ليها بخت و ناس ليها ترتر"
"قصدك إيه؟"
"ولا حاجة"

لحظات من الإستنشاق و التيه و عدم التمييز مع إسترخاء به لذة , كأنه لم يسترخ لأعوام و من هنا قرر أن يعد لنفسه كوب من الشاى قبل أن يترك صالة الجلوس و ينزل من مسكن سمير , كبريت لا يعمل يشغل أخر و أخر و أخر إلى أن تهيأ أن كوب الشاى الأحمر عد نفسه بنفسه أو ربما حسناء شقراء الشعر بيضاء البشرة مستديرة المفاتن هى من عدت الشاى بل و رشفت منه رشفة محبة من شفاهها الممتلئة بعصير مسكر . رأى أيضاً نيران حمراء برتقالية زرقاء تتصاعد تأكل ستار مزركش وتركض يميناً و يساراً يظن أنها جزء من فيلم أجنبى يشاهداه سوياً .

سمع الجميع صوت عم بدوى من المخبز يقول :
"حريق عند أم علاء" 
"فين؟"
"فين؟"
"عند مين؟"
"فى التالت"
كل يملأ دلو من المياة و خرطومان و أخذوا يحاولون إخراج من فى الشقة المتواضعة , علماً أن صديقه الأسمر كان يقاوم الخروج دون الشقراء , بينما ظل سمير نائماً إلى أن أيقظوه.
بعد أن إنتهى نوبه فزعه سمع من يقول بصوت مجهد به إرهاق :
"أحمد ربنا , إن الحريقة كانت فى الصالة"
حارة مصرية

وقت قليل جداُ دقائق و تناثرت الأقاويل فى الحارة و بلغت أذن الجارة أم على
"إيه الصور دى كلها الى راسمهالها؟"
"دى كمان فى منهم صورة عريانة"
"معقول كان فى حاجة بينهم"
"محدش فيهم كان باين عليه"
"معقولة دون ما نحس"
"امتى؟"
"إزاى؟"
"مش وش كسوف صحيح"
"ده من دور إبنها على"
"و ليها عين تروح و تيجى فى الشارع كده"
"هى إلى زى دى ناقصها إيه عشان تتجوز , دى قصفت عمر جوزها و خدته من مراته و لهفت إللى وراه و إللى قدامه"

سارعت أم على بإيقاظ أبناؤها الست
"إصحوا يلا"
"كل واحد يلم هدومه إحنا هنمشى فى نص الليل"
رد الكبير الذى لم يكن نام بعد
"ليه؟"
"لو إستنيت للصبح هتتعايروا و مش بعيد يقولولكوا أنتو مش ولاد أبوكو أنا حافظاهم"
"طيب و إيه يهمنا...."
"إسمع يا على هنمشى و طول العمر عايزاك تحافظ معايا على إخواتك بالذات البنات و محناش راجعيين هنا تانى فاهم؟"
"طيب و ....مش هنسلم على حد؟"
"أبداً أوعى "
"لكن..."
"مش وقته"
"بس كده ممكن الكلام يثبت عليكى"
لم ترد
"يا أمى"
"كلم عمك قله إحنا جاينله , خليه يشوف بيعه للبيت و معايا كل الورق قله إنى هبعته يخلص كل حاجة"
قبل الفجر بساعتان شوهد سبع ظلال يسيرون خارج الحارة بسرعة يحملون أمتعتهم.
شاهدهم سمير الذى لم يستطع النوم هذة الليلة من التفكير.
كان يفكر بأخر لوحة كانت فى باله لم يرسمها صورتها و هى تدخل المسجد قبل الشروق , كانت هذة الليلة الأولى التى تفوت و هى لا تدخل مصلى السيدات بالمسجد ليس كل اللوحات التى رسمها لها من خياله إحترقت بعضهم موجود و بعضه زارته النيران بحنان تاركة علامة صغيرة ذكرى ليس أكثر عن هذا الحادث الذى لم يتوقعه.
جاء المشترى الجديد للبيت و إحتل أخر مكانين فله إمرأتان بأولادهم و توجب على سمير أن يبحث عن مكان أخر بعد بحث طويل و تنقل من مكان لأخر إستقر , حتى أنه تمنى لو كان ما قيل صحيح و أنه على علاقة ب"أم على " حتى يسكن ببيتها بسهولة . و لأجل الصدفة الخير من ألف معاد , وجدها تمشى بسوق مشغولات الجلد بعد شهر. أشاحت بنظرها بعيداً لكنه أصر أن يواجهها إعترض طريقها قائلاً
"أنا اسف"
"متهمتكش و لا كلمتك"
"هو معقول أكون أذيتك و أنا ساكت"
"مش سكوت عن الحق ؟
صمت ثم قال
"أنا لحد دلوقت معرفش إسمك"
قالت و هى تفكر أن ترمى الماضى وراء ظهرها
"سميرة".
-----
بقلم / آية ممدوح
التعليقات
0 التعليقات