شريط الأخبار

بقُبلات منيرة المهدية وآهات أم كلثوم.. مات الصحفي الكبير!!


بقلم الأديب / أشرف مصطفى توفيق :
غنت مُنيرة المهدية أُغنيتها المشهورة «يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح، عليك بنادي في كل نادي، يا بلح يا حليوة يا بلح»، وانتشرت الأُغنية، وأصبحت على لسان النساء والرجال والباشوات والفلاحين حتى تحولت إلى ما يُشبه النشيد الوطني تحديًا لأمر قائد جيوش الاحتلال! والمعنى إن المهم الرمز، وزغلول موجود.. سعد موجود.
أم كلثوم ومنيرة المهدية
وفي كل مذكرات كل من: عبد الخالق ثروت باشا وإسماعيل باشا ما يفيد أنهما كانا يترددا على الفنانة مُنيرة المهدية!!

ثم أن منيرة المهدية لها أغاني مشهورة (أسمر ملك روحي) و( عصفوري يامه عصفوري ) وهي قادرة على أداء أغاني صعبة لسيد درويش وداود حسني، وهي أول من وقفت على المسرح وألفت فرقة مسرحية مثلت على مسرح «بريتانيا» روايات مثل : كلها يومين، لحنها سيد درويش وكليوباترا ولحنها سيد درويش وأكملها محمد عبد الوهاب!!

 منيرة المهدية المطربة الأولى في مصر 

وأصبحت منيرة المهدية المطربة الأولى في مصر بلا منازع، وفجأة جاءت أُم كلثوم إلى القاهرة، وأحست منيرة المهدية أن العرش الغنائي يهتز تحتها، وسمعت أن الجماهير جنت بغناء أُم كلثوم فلم تصدق ما سمعت.

وفي إحدى الليالي ارتدت ملاية لف سوداء، ووضعت على وجهها برقعًا وارتدت شبشبًا في قدميها حتى تبدو كبنات البلد، وصاحبت معها المُمثل محمد بهجت وذهبت إلى مسرح رمسيس حيث كانت تغني أم كلثوم، واشترت منيرة تذكرة في أعلى التياترو، وهي أرخص مقعد في المسرح، وجلست منيرة المهدية تسمع أم كلثوم والجمهور يهلل، وشهدت سيطرة أم كلثوم العجيبة على المستمعين، وهي تتحكم فيهم بصوتها الخلاب وتجعلهم يرقصون في مقاعدهم، ويترنحون على نغماتها، ويهبون واقفين مُصفقين لها هاتفين بحياتها! ولم تحتمل منيرة المهدية أن تحضر أكثر من الوصلة الأُولى من غناء أم كلثوم فتركت المسرح غاضبة ساخطة على الجمهور وجحوده وقلة ذوقه، عادت إلى عوامتها في النيل وهي تكاد تجن سخطًا وغضبًا، وأخذت تفكر كيف تقضي على هذه الفتاة الصغيرة التي جرأت على عرشها وأصبحت تهدد سلطانها!

منيرة المهدية وخطة القضاء على أم كلثوم 

وهداها شيطانها إلى حيلة غريبة للقضاء على المنافسة الخطيرة، فقد قال لها أولاد الحلال، إن سر أم كلثوم في شلتها، إنه الإعلان والصحافة، وأنها كما شاهدت لا صوت.. ولا اصورة، وإنما بربجندة خايبة.. ولكن الغريب أنها صدقت هذا الكلام رغم أنها ذهبت ورأت وسمعت!!
وسألت من معي من الصحفيين؟! وقالوا لها: يا ست الستات كل الصحفيين يحبوا الليل والسهر شاوري تلاقيهم عند قدميكي!!

وقالت: أنا مش عايزة اللي تندب في عينهم رصاصة، عايزة القطط المغمضة، الرومانسيين!!

واستغربوا ولكن أشاروا عليها باثنين.. فكري أباظة وعبد المجيد حلمي.
عبد المجيد حلمي
وسألت من أكثرهم استقامة وقلة خبرة وقلة شهرة وحاجة، وتعجب الجميع ولكنهم قالوا لها: عبد المجيد حلمي رئيس تحرير مجلة «المسرح» وقلمه عنيف وهو صعيدي وشاب لم يسبق له نزوات ولم يعرف عنه مغامرات في عالم العشق والهوى.

وقررت منيرة مهدية أن تقع في غرام الصحفي الشاب، ودعته إلى الغذاء في عوامتها، وبعد ساعة واحدة كان يجلس تحت قدميها يُبادلها عبارات الشوق وهي تلقي البترول على قلبه المُشتعل فتندلع النيران!
منيرة المهدية

وخرج عبد المجيد الطيب من عند منيرة وهو مُقتنع بأنه حُبها الأول والأخير، وأصبحت مجلة المسرح هي مجلة منيرة المهدية سلطانة الطرب في مصر والشرق! وبدأت مجلة المسرح تُهاجم أم كلثوم وقالت في 17 يناير 1927، أم كلثوم لها مئات العشاق ولا أدري ماذا يحبون فيها، فهي ليست على شيء من الجمال ولا خفة الروح ولا سلامة الطبع.

وفي 31 يناير سنة 1927 كتبت مجلة المسرح تقول «إن أُم كلثوم نجمها قد غرب»، وفي 31 يناير أيضًا كتبت مجلة المسرح تقول :
 «أُم كلثوم قدمت وهي بنت صغيرة شكوى لمحكمة السنبلاوين بأن شابًا من القرية اغتصبها» 
ووعدت بنشر نص الحكم ولم تنشره أبدًا لأنه كان خبرًا مُختلقًا، ولكن هذا الخبر كاد ينجح في إعادة أُم كلثوم إلى قريتها، فقد قرأه والدها الشيخ إبراهيم وأقسم ألا تبقى أُم كلثوم بالقاهرة بعد أن بزغ نجمها، ولكن الأب أصر لولا أن صديقًا للأُسرة حضر في تلك اللحظة واستطاع أن يقنع الشيخ إبراهيم بالبقاء في القاهرة الملعونة.

وفي يوم 14 فبراير سنة 1927 كتبت مجلة المسرح تقول «أُم كلثوم يلذها أن يتطاحن الأصدقاء ويُهان الناس فيها، وكانت مثالًا للزراية بعظة الرجال والعبث بعقول الشبان والاستهتار بقلوب أُولئك الذين أوقعهم سوء الحظ في حبالها، أليس فيهم من طلق امرأته من أجلها؟ أليس فيهم من أصبح هزأة للناس من أجلها؟ أليس فيهم من قاطع أهله وأصدقاءه من أجلها؟ أليس فيهم من أخذت ثروته في التلاشي والسهر من أجلها؟!. وهي ماذا صنعت من أجلهم؟ حتى ولا شفقة ولا رحمة! أيها الرجال! اسمحوا لي أن أهزأ أنا بدوري منكم جميعًا، ليس في نفوسكم شمم ولا أباء، ليست فيكم نخوة ولا رجولة، ليس لكم شرف ولا كرامة، إن أنتم إلا ألاعيب تُحركها امرأة طائشة يلذ لها العبث المُجرم والاستهتار الكامل، اختفوا من أمامنا إننا نحتقركم جميعًا! أنقذوا أنفسكم أولًا ثم تعالوا إلينا، طهروا أيديكم وأنفاسكم ثم اختلطوا بنا، يا رجال الشهوات الميتة والنفوس التي لا تشعر ولا تحلس، ما أنتم إلا عبيد امرأة بلا قلب».

ولكن هذه الحملة العنيفة القاسية على المعجبين والمُتحمسين للمطربة الشابة أُم كلثوم لم تصرف الناس، وفجأة جاء أولاد الحلال وقالوا لنغير ونعدل سنضرب أم كلثوم في المسرح، وبسرعة أقنعت الست منيرة عبد الوهاب بإكماله لحن سيد درويش (كليوباترا).. ونجحت الفكرة مرحليًا عندما نشر الأُستاذ فكري أباظة مقالًا في الأهرام بعنوان «معجزة الموسم»، ويكتب عن ذلك الأُستاذ «مصطفى أمين» في كتابه (شخصيات لا تُنسى).. رغم أن مصطفى أمين أحد من قال عنهم ولاد الحلال لمنيرة المهدية كلام.. كثيرًا!

قال فيه «منيرة وعبد الوهاب يُغردان تغريد البلابل، والجمهور يضج ضجيج الإعجاب العنيف بعد أن أخذت منه الدهشة كل مأخذ، واستولى عليه ذهول الخاشع أمام السحر الحلال مجرم في حق نفسه وحق الفن من لا يشهد رواية كليوباترا في الحال مجرم في حق النبوغ والعبقرية من لا يُبادر بإذاعة خبر هذا النصر الحاسم، والنجاح البالغ عنان السماء!»
وأبدت منيرة إعجابها الشديد بفكري أباظة وغار عبد المجيد من فكري أباظة وكتب مقالًا في مجلته يقول فيه «وقامت الدنيا، وتحدث الناس عن هذا الإعلان الغريب، وقال يومها الناس كم تقاضي فكري أباظة ثمنًا لهذه الكلمة؟ ولكن الناس لا يعرفون الحقيقة، انتهى الأول من رواية الناجح الباهر، ودخل مع الجمهور فكري أفندي أباظة وظل واقفًا ينظر إلى السيدة منيرة وهي تحيي هذا، وتبتسم لذلك، فهذا ينحني لها، وذلك يقبل يدها اليمنى! حتى انتهى الدور إلى فكري أباظة، ومرت به السيدة بكل عظمة، فانحنى حتى كاد يمس الأرض بجبهته، فقدمت إليه يدها فقبلها، لا كلمة.. ولا ابتسامة! هذا هو الثمن الذي تقاضاه فكري أباظة ليكتب تلك الكلمة».

بداية النهاية للصحفي الكبير حلمي عبد المجيد 

واشتعلت نار الغيرة العمياء في قلب الصعيدي الشاب عبد المجيد، وفي يوم 28 فبراير سنة 1927 كتب يقول لِمُنافسه:

«هي امرأة واحدة نحبها نحن الاثنين يا صديقي، أهو القدر يعبث بنا أم نحن نعبث بها، أم هي تلعب بنا جميعًا؟ قلت لي في مُقابلتنا الأخيرة أنها باحت لك بغرامها، وأنها تحبك من دوني، ولولا أنها تخشاني لنفرت من أبعدتني عنها، ألم تذكر أنها قالت ذلك؟ وفر عليك جهد فقد سمعت منها هذه الألفاظ عنك، إذن هي تعبث بنا جميعًا، أحدنا تخشاه والآخر تجد مصلحتها في استرضائه، ومع ذلك فأنت تعبدها وتطمع فيها وتغار عليها، أما أنا فأحبها بلا عبادة ولا طمع ولا غيرة».

وفي 7 مارس سنة 1927 كتب عبد المجيد حلمي إلى حبيبته يقول «كان الشرط ألا نتراسل، مهما جد في غرامنا، ومهما وقع لنا، ولكني أحب أن أقص في غيبتي ما لا أستطيع ذكره أمامك، نذالة في الرجل يا سيدتي أن يغدر، ولكنها طهارة أيضًا ألا يكون مُخادعًا ولا غشاشًا، وأنا اليوم أغدر بكِ، ولكني لا أغشك ولا أخدعك.. كنت أنتِ النار التي أشعلت جسمي - ولا أقول قلبي - ولكن هذا القلب كان يدق حين يشعر بالالتهاب، فظننت أنني أحبك، ظننت أنني لا أستطيع أن أعيش إلا لك أو من أجلك وفي سبيلك وفي ذلك النهار المُمطر الذي قضيناه معًا في منزلي، فجأة دفعتك عني كشيء قذر تمرغت فيه برهة ثم عافته نفسي فتنصلت منه، أصبحتِ «لا شيء» في حين أنكِ مُنذ دقائق كنتِ «كل شيء» كنت أعتقد أنني أحبك وأنني لا أستطيع فراقك، كنت أغار عليكِ حين تمدين يدك بالسلام لمخلوق ما، وكنت أحترق حين أراكِ تبتسمين لشخص آخر، كنت لا أطيق مجرد التصور أن رجلًا غيري نظر إليكِ وابتسم لكِ، أما الآن فلا أتمنى على الله إلا أن يبعدني عنكِ إلى الأبد».

وقالت مُنيرة المهدية «هذا الحشرة.. يتركني أنا؟ يترك ست الستات؟ لست المرأة التي يتركها رجل.. أنا الذي أترك، وجن جنون برج الحمل برج منيرة المهدية، آه من برج الحمل، وآه من امرأة يبدأ اسمها بحرف الميم إذا قررت الانتقام والثورة».

وجاء أولاد الحلال وقالوا لها: شبشبي له.. اسحري ليه، وقالت إيه الكلام الفارغ ده؟! وقالوا لها وصفة معروفة.. بعض الآيات وبعض الطلاسم تُكتب على ورق بالزعفران وتُغسل بالماء ويشرب منها المحبوب!! أو شيء من أطره قطعة قماش منديل وتعرف اسم أمه ونعمل له عمل، وقالت الاثنان معا.. ابن الــ.... وابن الــ..... .

وفي 21 مارس سنة 1927 كتب عبد المجيد يقول «كنت لا أبصر امرأة يا صديقي إلا هزأت منها واستهترت بها، فأصبحت الآن لا أبصر امرأة إلا أحببتها وتمنيت أن تكون فريسة أعبث بها، وكما تسقط المرأة وتصبح تتاجر بنفسها وجسمها، وتنتقم من الرجال جميعًا؛ لأن أحدهم كان علة شقائها وهاوية سقطتها، كذلك أُريد أن أنتقم من النساء جميعًا؛ لأن إحداهن كانت سبب شقائي وعلة بلائي».

وفي 28 مارس سنة 1927 يكتب «وصلتني رسالتك منذ ساعات.. ورقة بيضاء فيها سطران وكلمتان.. «افتح الدرج الأسفل في مكتبك، هناك وردة ذابلة أعدها إلى هذا كل ما تطلبين، حقًا لم يبق غير هذه بعد أن أخذت كل شيء، ألم تأخذي قلبي سالمًا فترديه عليلًا؟ ألم تأخذي جسمي صحيحًا، لتعيديه سقيمًا؟ أليست عواطفي وشعوري مُعلقة عليك في الحياة؟ إذن لم يبق شيء سوى الوردة الذابلة تستعيدينها؟ هذه الوردة التي كانت كل سلوتي والتي أجمع فيها أحب تذكارات الهناء، وأقسى ذكريات الألم! ولكن سأعيدها إليك أيضًا».

وفي يوم 18 أبريل سنة 1927 كتب إليها يقول «أصدقائي يصورونك لي بصورة بشعة، ويردونك ويتهمونك، وما يزيدني ذلك إلا حبًا فيك، وشغفًا بك وحنينًا إلى لقياك، إن حديث السوء عنك يصيب جرحًا في عاطفتي فيذيبها، المرأة التي أحببتها يحتقرها الناس؟!»
وفي يوم 96 مايو سنة 1927 كتب عبد المجيد لها يقول «أنتِ طاغية في حبك الأبله، طاغية في تفكيرك الجنوني، طاغية في عبثك الأثيم، طاغية في استهتارك السخيف، طاغية في استهتارك السخيف، طاغية في إحساسك والشعور، ومصرع كل طاغية رهيب».
فهل هذا بسبب الحب.. أم بسبب السحر أم بسببها معًا؟!

وسقط عبد المجيد حلمي صريع الحمى والحب، وارتفعت درجة حرارته، وأصبح يهذي ويذكر اسم منيرة... منيرة! وآفاق من غيبوبته ليكت يوم 6 يونيو 1927: «الآن وقد مضت على الأيام الستة وأنا فريسة المرض، بدأت الخيالات تمر أمامي تباعًا، وفي يوم من الأيام السوداء، أعيد على ذكرياتي الماضي بعيدة وقريبة، فيشتد الألم وتزداد قواي انحلالًا، تألفت على عناصر الطبيعة تريد أن تصرعني وتالبت لتغلبني ووقفت لها أحتمل ولا أدفع، وأصبر فلا أجزع، حتى ثقل الحمل ودنا المصرع!».

واشتد الأمل على عبد المجيد وذهب أصدقاؤه إلى منيرة المهدية يتوسلون إليها أن تذهب إليه ترد له الروح، فقد كان يطلبها وهو يهذي وكان يتوهم أنها إذا جاءت بقرب فراشه أعادت له الحياة، ولكن منيرة رفضت وقالت: إن عبد المجيد مريض بالسل وهي تخشى أن تُصاب بالعدوى.

وقد اغتاظ محررو مجلة المرح فنشروا لمنيرة المهدية صورة على الغلاف لها في شكل قاتلة وفي يديها مسدس وكتبوا تحتها «السيدة منيرة المهدية كما تريد أن تكون»، وضاقت منيرة بحصار أصدقاء عبد المجيد فسافرت فجأة إلى سوريا، ولكن السحر بلغ مداه بالرجل فأراد أن يلحق بها ومنعه أطباؤه فاضطر أن يسافر لها ووصل إلى سوريا مرهقًا متعبًا وأدخل بالمستشفى وعاد أصدقاء عبد المجيد يتوسلون إلى منيرة أن تزور عبد المجيد في المستشفى فرفضت، وازدادت العلة عليه فعاد إلى القاهرة في أوائل يوليو 1927، ثم تضاعفت العلة وأُصيب بضعف شديد وأصر أن يُسافر إلى أسيوط موطنه الأصلي ليموت هناك، وفعلًا سافر إلى هناك وأسلم الروح ودفن هناك.
مصطفى أمين

ويكتب عنها مصطفى أمين في «أخبار اليوم بتاريخ 18 1/ 1986» تحت عنوان «المطرية التي قتلت الصحفي .. والصحفي الذي دفن المطربة» يقول:
وفي يوم 10 أكتوبر 1927 كتبت مجلة الناقد: «الذي قتل عبد المجيد هو ظهور نكران الجميل والخيانة والغدر، هوجم عبد المجيد من الخلف وأرسلت له السيدة منيرة المهدية أُختها لتذهب له وتقول أيه يا سي عبد المجيد.. أنت عيان بالسل مش تسافر؟ لحسن تعدينا.. دول الممثلين مش راضين يشتغلوا!!».

وفي 17 أكتوبر سنة 1927 كتب الناقد يقول:
«كانت منيرة المهدية تُؤثر في عبد المجيد ببكائها وتطيل شعرها لكي يهاجم خصومها، واليوم وقد قضى المسكين فإن في السماء إليها يمهل ولا يهمل ولا يهمل وسيسألك: ماذا فعلت بعبد المجيد؟ احترمي الموتى يا شر مثال للخيانة والغدر!!»

وفي يوم 17 أكتوبر 1927 كتبت مجلة الناقد تقول:
«كانوا في القدس، وطلبت منيرة إلى عبد المجيد حلمي على لسان مراد عبد الرحمن خادمها أن يسافر لن الفرقة لا تريده خوفا من العدوى.. وأقسم له الممثلون أنهم لا يخشون منه شيئًا.. ورأت منيرة ذلك فكملت قنصل مصر في القدس لكي يأمر عبد المجيد حلمي، لم يعبأ عبد المجيد العنيد، وهو المشهور بصلابة رأيه، أرسلت منيرة إليه أن مكتب الصحة يطلبه وألا يعمل حجر لفرقتها فرقة منيرة المهدية يا للفظاعة والبشاعة ليس هو الطاعون ولا الوباء الأصفر، ولما ذهب عبد المجيد إلى مكتب الصحة أظهروا دهشتهم لذلك، وثاروا أنهم لم يطلبوه ولا داعي لذلك أبدًا».

وهبت العواصف من كل مكان تقتلع منيرة المهدية من عرشها البعض لعنها، والبعض هاجمها.. والصحفيون أهملوا أخبارها، والجمهور قاطعها. ومضت منيرة تُقاوم الصحف كلها والمجلات كلها والنُقاد كلهم، كل أصدقائها تخلوا عنها حكموا عليها بغير مُحاكمة رفضوا أن يسمعوا شهودها أبو أن يكون لها حق الدفاع عن نفسها! كان عبد المجيد معبودًا بين الشباب فقاطعوا مسرحها، وأطلقوا عليها اسم القاتلة، وذهب بعض الناس إلى الشوارع ينتزع إعلاناتها الملونة أو يعمى عينيها الجميلتين المطلتين من إعلانات الحائط.

إن منيرة المهدية لم تقتل هذا الصحفي وحده ولكنها تعودت على أن تقتل قلوب كثيرة.. فلقد أحبت وتزوجت من بطل المصارعة حسن كمال ثم هجرته وطلقته فلقد كانت العصمة بيدها لأنها أحبت أخيه وبعدها تزوجت هذا الأخ الأصغر.. إبراهيم كمال.. وسقطت أم الأخوين ميتة بعد سماعها بهذا الزواج.. ولكن من يُقاوم هذا الطول والعرض والشخصية والإغراء العصبية، إنها مدت يدها ليسلم عليها رئيس مجلس الشيوخ حسين رشدي باشا فوجد الرجل نفسه يقبل يدها وتحدثت أزمة فيقول الوزير بسذاجة «ليس في الدستور المصري مادة تمنع رئيس مجلس الشيوخ من أن يقبل يد مطربة».

كانت منيرة المهدية تحب شيء واحد، هو منيرة المهدية إن أي واحد أحبها قال هذه العبارة «أنا وهي نحب شخصًا واحدًا، هي!!».
وإذا احتاجت لشيء لم تفصل بين الحب وما تحتاجه، وتفعل هذا قبل الحب تمسح وتكنس وتهب كل شيء ولها صوت مُؤثر وكلام مُؤثر وخطاباتها قصيرة ولكن فيها مقاطع من أغانيها، أو أغاني الآخرين ولكن فجأة تتوقف عن خدمتك.. وتبدأ في كنسك من حياتها وكويك بغيرها.

أما الصحفي عبد المجيد حلمي فهو صاحب هذه العبارة «قلبها من ذهب: جامد، لامع، بارد!!» ولكنها الوحيدة التي تصنع الحب بالكتابة بالزعفران والسحر على الورق الأبيض هل أحببت الصحفي أم كرهت أم كلثوم؟ّ!

أما أم كلثوم فقد فعلتها معها بذكاء وعلى عينك يا تاجر وبمنتهى البراعة والطيبة أرادت أن تنهيها للأبد.. وبالعقل لا بالسحر!! قررت أن تتركها تغني ليقارن الجمهور!!

ذلك يحكي «مصطفى أمين»:
وفجأة سألتها:
وأيه حكاية عبد المجيد؟
قالت في استغراب: عبد المجيد مين؟
قلت: عبد المجيد حلمي صاحب مجلة المسرح.
قالت: آه.. آه، عبد المجيد دي حكاية بسيطة، كان يحبني حُبًا جنونيًا وكنت أعطف عليه لطيبته وبراءته، ولكني لم أحبه لأن غيرته كانت كالإعصار تحطم كل شيء أمامها!

ومضت الأيام وانقطعت منيرة المهدية عشرين سنة عن الغناء، وذات مساء اتصلت بي أم كلثوم تليفونيًا وقالت لي: «إنني أدعوك معي في حفل ساهرًا اشتريت بنوار في صالة بديعة وستغني منيرة المهدية، وأنا أريد أن أشجعها وأصفق لها وألحت إلحاحًا عجيبًا أن أُصاحبها».
وذهبنا وغنت منيرة المهدية ويا ليتها ما غنت، كان صوتها أشبه بالاسطوانة المشروخة، فقد صوتها حلاوته وبحته ورخامته وجاذبيته وكانت أقرب إلى ملكة محنطة في تابوت ترى فيها الماضي الخالد ولا تجد من أثر الحاضر سوى التراب، وكانت أم كلثوم تلهب يديها بالتصفيق وتزغدني في كتفي لأشاركها في التصفيق، وخيل إلى أننا وحدنا كنا نصفق وأن الجالسين في الصالة انهمكوا في الحديث عن ذكريات سلطانة الطرب بريقها الفتان، ظهرت التجاعيد تملأ وجهها بقسوة ووحشية، انطفأت روحها التي كانت تملأ المسرح حيوية!

لم تكن منيرة المهدية!
كانت شبح منيرة المهدية!
فعلتها أم كلثوم وأخذت بثأرها بعد أربعين سنة من واقعة أول مقالة كتبها الصحفي المسحور المتيم عبد المجيد ضد أم كلثوم وعشقًا لمنيرة المهدية!!
---
بقلم / أشرف مصطفى توفيق
أديب وكاتب صحفي 
من أشهر مؤلفاته وأعماله :
رواية جاسو 
رواية نجمة يناير
صباح الخير أيها العشاق
نساء الملك فاروق 
والعديد من الكتب والمقالات المنشورة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة قلمي الثقافية Designed by Templateism.com Copyright © 2014

صور المظاهر بواسطة Deejpilot. يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Published By Gooyaabi Templates