مع ذكريات "روز اليوسف" وكواليس المسرح المصري
حديثنا الليلة عن كواليس العصر الذهبي للمسرح المصري، ترويها لنا واحدة من أبرز نجماته من واقع كتابها وسيرتها الذاتية
الفنانة والصحفية الشهيرة فاطمة اليوسف، المعروفة باسم "روز اليوسف".
بداية طفولة قاسية.. والوصول إلى مصر :
بدأت قصتها منذ الصغر؛ توفيت والدتها وهي طفلة صغيرة، وتركها والدها الشغوف بالسفر في الشام في رعاية أسرة مسيحية.
هذه الأسرة قررت الانتقال إلى مصر، وأخذوا فاطمة وهو أسمها الحقيقي معهم. وفي مصر، أحبت فاطمة الفن والمسرح وتأثرت بشغف فتيات الأسرة اللاتي نشأت معهن.
اللقاء الأول بالمسرح والأستاذ عزيز عيد :
في إحدى المرات، ذهبت فاطمة لمشاهدة عرض مسرحي قرب محلات "صيدناوي"، وفي لحظة شغف دخلت الكواليس. هناك لمحها ممثل ضخم الجثة يدعى عمر وصفي، وزجرها بنظرة حادة فخافت وبكت.
وفجأة، خرج من بين الديكورات رجل قصير القامة، محني الظهر قليلاً، ينبض وجهه بالطيبة.
كان هذا الرجل هو الفنان عزيز عيد؛ هدأ من روعها، وأخذها إلى القهوة المجاورة وطلب لها مشروباً ليطرد عنها الخوف، ومن يومها أصبحت بينهما صداقة متينة.
وظلت روز تجله وتحترمه كأستاذ ومعلم طوال حياتها.
رحلة عزيز عيد وشغفه بالفن:
كان عزيز عيد، مثل كثير من فناني ذلك العصر، موظفاً حكومياً بسيطاً يعشق التمثيل رغم النظرة المجتمعية القاسية للفن في ذلك الوقت.
عمل عزيز في البنك الزراعي وتعرف هناك على نجيب الريحاني الذي كان يشاركه نفس الشغف.

كان عزيز عيد قد عاش فترة في بيروت وتأثر بالمسرح الشامي، ورغب في نقل هذه التجربة إلى مصر.
مرّ بظروف مادية صعبة للغاية، وكان يلجأ لوالدته أحياناً لتساعده بالقليل من المال، وكان حوله أصدقاء مثل استيفان روستي وحسين رياض.
بعد الحرب العالمية الأولى، انتشرت الكباريهات والملاهي الليلية، واستسلم الكثير من الناس لظروف الحرب.
لم يصمد من فرق المسرح حينها سوى فرقة جورج أبيض التي كانت تقدم مسرحيات كلاسيكية مترجمة.
عمل عزيز عيد مع جورج أبيض، لكنه تمرد لاحقاً لأنه أراد تقديم مسرح مصري خالص.
تجربة "القرية الحمراء" ونشأة شخصية "كشكش بيه" :
تعاون عزيز عيد مع المؤلف أمين صدقي وقدم مسرحية درامية بعنوان "القرية الحمراء" عام 1917، وشارك فيها نجيب الريحاني بدور الغفير، وروز اليوسف بدور الفلاحة.
لكن المسرحية فشلت جماهيرياً لأن الجمهور كان يفضل الكوميديا والفرفشة في تلك الفترة.
حينئذ ترك الريحاني الفرقة واتجه للعمل في كباريه بشارع الألفي، وهناك استلهم شخصية العمدة التي قدمها عزيز عيد، وشكّلها بلمسته الكوميدية الخاصة لتولد شخصية "كشكش بيه" الشهيرة، والتي حققت نجاحاً هائلاً.
مغامرة كازينو مارسيل والجمهور الإنجليزي:
في وقت لاحق، عرضت عليهم سيدة فرنسية تدعى "مارسيل" تقديم عروض على مسرحها مقابل 500 جنيه شهرياً (وكان مبلغاً ضخماً جداً حينها).
اختار عزيز عيد مسرحية فرنسية وقام بتمصيرها باسم "حنجل بوبو"، وشارك فيها يوسف وهبي (الذي كان يقدم مونولوجات في بداياته!) ودولت أبيض وروز اليوسف.
لكن المفاجأة في يوم الافتتاح كانت أن الصالة امتلأت بالكامل من الجنود الإنجليز السكارى الذين لم يفهموا شيئاً من العرض، واعتدوا على الشاب المصري الوحيد الذي كان يحضر العرض وطروده!
وفي اليوم الرابع، تطور الأمر وقام الجنود بإلقاء البيض على الممثلين فوق الخشبة في ليلة عصيبة، مما جعل صاحبة الكازينو تنهي التعاقد وتلقي بملابس الفرقة في الشارع!
صانع النجوم وتحدي دور "الجدة" :
لم يستسلم عزيز عيد؛ فقد كان خبيراً في اكتشاف المواهب. وفي إحدى المسرحيات، رفضت الممثلات تقديم دور "الجدة" و"الأم"، فتحدى الجميع وقال إنه سيجعل الفتاة الصغيرة التي تزورهم (يقصد روز اليوسف) تؤدي دور الجدة وتعلّم الجميع فن التمثيل!
أحضر لها معلماً للإلقاء ودربها على الصوت والحركة، وبالفعل أتقنت روز دور الجدة بصوتها المرتعش وظهرها المحني، ونجحت نجاحاً كبيراً
وكانت هذه انطلاقتها الحقيقية لتصبح من كبار نجمات المسرح، حتى حازت لقب "سارة برنار الشرق".
مقلب جورج أبيض وخيبة الأمل:
اتفق عزيز عيد مع فرقة جورج أبيض على القيام بعدة جولات في المحافظات مقابل 20% من الأرباح، واكتفى عزيز بـ "كلمة شرف" دون عقد مكتوب.
طافوا بالمحافظات وحققوا أرباحاً بلغت 5 آلاف جنيه، وكان نصيب عزيز منها ألف جنيه.

وعندما طالب عزيز بحقه، أنكر جورج أبيض الاتفاق الشفهي ورفض إعطاءه المال!
عاد عزيز إلى الممثلين محطماً، وظل صامتاً 5 أيام من شدة الصدمة، قبل أن يروي لهم ما حدث بأسلوب ساخر ومؤثر.
ابتكارات عزيز عيد ومواقف طريفة:
حاول عزيز عيد مواصلة حلمه، فقام بابتكار فكرة جديدة وتحويل صالة للتزلج (باتيناج) مكشوفة في حي الفجالة إلى مسرح صيفي، وقدم عليها مسرحية "خلي بالك من إميلي"، ونجح العرض لمدة شهر ونصف حتى بدأ فصل الشتاء وأغلق المسرح.
بعدها قدم مسرحية أخرى بعنوان "يا ست ما تمشيش كده عريانة"، ورغم الاسم الذي أثار ضجة هجومية قبل العرض، إلا أن المسرحية كانت جادة وحققت نجاحاً عند عرضها.
أزمة روز اليوسف مع طلعت حرب:
خلال عملها مع فرقة "عكاشة" (التي كان يمولها المفكر الاقتصادي طلعت حرب)، سافرت روز إلى رأس البر وقررت النزول للبحر بملابس "البيجامة"، فنشرت الصحف القصة وتهكمت عليها.
غضب طلعت حرب وطالبها بالاعتذار في الصحف أو الفصل من الفرقة، لكن روز رفضت الاعتذار بفخر وتمسك بموقفها فتم فصلها!
وتكرر التحدي بينهما لسنوات، حتى أسست مجلتها لاحقاً وتلاقت أفكارهما وأصبحا أصدقاء مقربين.
مسرحية "العشرة الطيبة" والشيخ سيد درويش:
احتاج عزيز عيد للمال لتقديم فن راقٍ، فتعاون مع صديقه نجيب الريحاني واستعانا بـ سيد درويش لتلحين مسرحية غنائية بعنوان "العشرة الطيبة".
تروي روز أن الشيخ سيد درويش لم يكن يلحن إلا في أجواء خاصة، مما اضطر عزيز عيد لملازمته 20 يوماً متواصلة لضمان إنجاز الألحان.
خرجت المسرحية بألحان رائعة ونجحت نجاحاً كبيراً، لكن نجيب الريحاني (بصفته المنتج) خشي أن تؤثر على أرباح مسرحه الخاص
فقلل الدعاية حتى أوقف العرض بحجة الخسارة!
اقرأ أيضا : توفي بسبب خادمته..المطرب عمر فتحي ورحيل مبكر
الفنانون وثورة 1919 :
تختتم روز ذكرياتها في هذا الفصل بذكر مشاركة الفنانين في ثورة 1919؛ حيث خرجت مسيرة حاشدة تضم جورج أبيض، نجيب الريحاني، عزيز عيد، زكي طليمات، روز اليوسف، وماري منيب.
انضمت المسيرة لجنازة شهداء الثورة وشهدت هتافات حماسية، قبل أن تتدخل القوات الإنجليزي ويحدث إطلاق نار وتتفرق التظاهرة.
وتذكر روز أنها كادت تتأذى لولا تدخل أحد الثوار الذي أنقذ الموقف، ومنذ تلك اللحظات تولد لدي روز شغف كبير بالسياسة ومتابعة خطب الزعيم سعد زغلول، لتتحول لاحقاً من نجمة مسرح إلى واحدة من أبرز صاحبات الصحف والسياسة في مصر.
